ابن عربي
556
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وبنا كان له الحكم به * فإذا زلنا فكون ينفرد فالحق تعالى له الوحدة المطلقة ، وهو الواحد الأحد ، اللّه الصمد ، لم يلد فيكون مقدمة ، ولم يولد فيكون نتيجة ، فإنه لو أن العقل يدرك الحق حقيقة بنظره ودليله ويعرف ذاته لكان مولدا عن عقله بنظره ، فلم يولد سبحانه للعقول كما لم يولد في الوجود ، ولم يلد بإيجاده الخلق لأن وجود الخلق لا مناسبة بينه وبين وجود الحق ، والمناسبة تعقل بين الوالد والولد ، إذ كل مقدمة لا تنتج غير مناسبها ، ولا مناسبة بين اللّه وبين خلقه إلا افتقار الخلق إليه في إيجادهم ، وهو الغني عن العالمين . لذا منع الرحمن في وحيه على * لسان رسول اللّه في ذاته النظر فقال ولا تقف الذي لست عالما * به فيكون الناظرون على خطر فلم يولد الرحمن علما ولم يلد * وجودا فحقق من نهاك ومن أمر فقوله تعالى « لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ » تنزيه الذات ، فلا تتعلق ولا يتعلق بها ، ولذلك قال تعالى : [ سورة الإخلاص ( 112 ) : آية 4 ] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » الآية : ] فيكون به وجود العالم نتيجة عن مقدمتين ، عن الحق والكفوء ، تعالى اللّه ، وبهذا وصف نفسه سبحانه في كتابه لما سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن صفة ربه ، فنزلت سورة الإخلاص تخلصت من الاشتراك مع غيره تعالى اللّه في تلك النعوت المقدسة والأوصاف - الوجه الثاني - « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » فنفى الصاحبة كما نفى الشريك بقوله ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) فنفى المماثل الذي لو ثبت صح أن يكون العالم بينهما ، فما هو لنا أب ولا نحن أبناء له ، بل هو الرب ونحن العبيد ، فيطلبنا عبيدا ونطلبه سيدا ، وربما يتوهم من لا معرفة له بالحقائق أنه لو وجدت الكفاءة جاز وقوع الولد بوجود الصاحبة التي هي كفؤ ، فليعلم أن الكفاءة مشروعة لا معقولة ، والشرع إنما لزمها من الطرف الواحد لا من الطرفين ، فمنع المرأة أن تنكح ما ليس لها بكفء ، ولم يمنع الرجل أن ينكح ما ليس بكفء له ، ولهذا له أن ينكح أمته بملك اليمين ، وليس للمرأة أن ينكحها عبدها ، والحق ليس